ج2. كتاب الأم - كتاب الحكم في قتال المشركين ومسألة مال الحربي
المؤلف الشافعي
الأسارى والغلول ←
ملاحظات: مسألة مال الحربي
[قال الشافعي]: وإذا دخل الذمي أو المسلم دار الحرب مستأمنا فخرج بمال من مالهم يشتري لهم شيئا فأما مع المسلم فلا نعرض له ويرد إلى أهله من أهل الحرب لأن أقل ما فيه أن يكون خروج المسلم به أمانا للكافر فيه وأما مع الذمي قال الربيع " ففيها قولان أحدهما أنا نغنمه لأنه لا تكون كينونته معه أمانا له منا لأنه إنما روي (المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم) فلا يكون ما مع الذمي من أموالهم أمانا لأموالهم وإن ظن الحربي الذي بعث بماله معه أن ذلك أمان له كما لو دخل حربي بتجارة إلينا بلا أمان منا كان لنا أن نسبيه ونأخذ ماله ولا يكون ظنه بأنه إذا دخل تاجرا أن ذلك أمان له ولماله بالذي يزيل عنه حكما والقول الثاني أنا لا نغنم ما مع الذمي من مال الحربي لأنه لما كان علينا أن لا نعرض للذمي في ماله كان ما معه من مال غيره له أمان مثل ماله كما لو أن حربيا دخل إلينا بأمان وكان معه مال لنفسه ومال لغيره من أهل الحرب لم نعرض له في ماله لما تقدم له من الأمان ولا في المال الذي معه لغيره فهكذا لما كان للذمي أمان متقدم لم يتعرض له في ماله ولا في المال الذي معه لغيره مثل هذا سواء. والله نسأل التوفيق برحمته. وكان آخر القولين أشبه إن شاء الله تعالى.
===============================
كتاب الأم - كتاب الحكم في قتال المشركين ومسألة مال الحربي
المؤلف الشافعي
المستأمن في دار الحرب ←
ملاحظات: الأسارى والغلول
أخبرنا الربيع بن سليمان قال أخبرنا الشافعي قال إذا أسر المسلم فكان في بلاد الحرب أسيرا موثقا أو محبوسا أو مخلى في موضع يرى أنه لا يقدر على البراح منه أو موضع غيره ولم يؤمنوه ولم يأخذوا عليه أنهم أمنوا منه فله أخذ ما قدر عليه من ولدانهم ونسائهم.
[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: فإن أمنوه أو بعضهم وأدخلوه في بلادهم بمعروف عندهم في أمانهم إياه وهم قادرون عليه فإنه يلزمه لهم أن يكونوا منه آمنين وإن لم يقل ذلك إلا أن يقولوا قد أمناك ولا أمان لنا عليك لأنا لا نطلب منك أمانا فإذا قالوا هذا هكذا كان القول فيه كالقول في المسألة الأولى يحل له اغتيالهم والذهاب بأموالهم وإفسادها والذهاب بنفسه فإن أمنوه وخلوه وشرطوا عليه أن لا يبرح بلادهم أو بلدا سموه وأخذوا عليه أمانا أو لم يأخذوا.
[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: قال بعض أهل العلم يهرب وقال بعضهم ليس له أن يهرب وقال وإذا أسر العدو الرجل من المسلمين فخلوا سبيله وأمنوه وولوه من ضياعهم أو لم يولوه فأمانهم إياه أمان لهم منه فليس له أن يغتالهم ولا يخونهم وأما الهرب بنفسه فله الهرب فإن أدرك ليؤخذ فله أن يدفع عن نفسه وإن قتل الذي أدركه لأن طلبه غير الأمان فيقتله إن شاء ويأخذ ماله ما لم يرجع عن طلبه فإذا أسر المشركون المسلم فخلوه على فداء يدفعه إلى وقت وأخذوا عليه إن لم يدفع الفداء أن يعود في إسارهم فلا ينبغي له أن يعود في إسارهم ولا ينبغي للإمام أن يدعه إن أراد العودة فإن كانوا امتنعوا من تخليته إلا على مال يعطيهموه فلا يعطيهم منه شيئا لأنه مال أكرهوه على أخذه منه بغير حق وإن كان أعطاهموه على شيء يأخذه منهم لم يحق له إلا أداؤه بكل حال وهكذا لو صالحهم مبتدئا على شيء انبغى له أن يؤديه إليهم إنما أطرح عليهم ما استكره عليه.
[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: في أسير في أيدي العدو وأرسلوا معه رسلا ليعطيهم فداء أو أرسلوه بعهد أن يعطيهم فداء سماه لهم وشرطوا عليه إن لم يدفعه إلى رسولهم أو يرسل به إليهم أن يعود في إسارهم.
[قال الشافعي]: يروى عن أبي هريرة والثوري وإبراهيم النخعي أنهم قالوا لا يعود في إسارهم ويفي لهم بالمال وقال بعضهم إن أراد العودة منعه السلطان العودة وقال ابن هرمز يحبس لهم بالمال وقال بعضهم يفي لهم ولا يحبسونه ولا يكون كديون الناس وروي عن الأوزاعي والزهري يعود في إسارهم إن لم يعطهم المال وروي ذلك عن ربيعة وعن ابن هرمز خلاف ما روي عنه في المسألة الأولى.
[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: ومن ذهب مذهب الأوزاعي ومن قال قوله فإنما يحتج فيما أراه بما روي عن بعضهم أنه يروى (أن النبي ﷺ صالح أهل الحديبية أن يرد من جاءه بعد الصلح مسلما فجاءه أبو جندل فرده إلى أبيه وأبو بصير فرده فقتل أبو بصير المردود معه ثم جاء إلى النبي ﷺ فقال قد وفيت لهم ونجاني الله منهم فلم يرده النبي ﷺ ولم يعب ذلك عليه وتركه فكان بطريق الشام يقطع على كل مال قريش حتى سألوا رسول الله ﷺ أن يضمه إليه لما نالوه من أذاه).
[قال الشافعي]: رحمه الله وهذا حديث قد رواه أهل المغازي كما وصفت ولا يحضرني ذكر إسناده فأعرف ثبوته من غيره قال وإذا كان المسلمون أسارى أو مستأمنين أو رسلا في دار الحرب فقتل بعضهم بعضهم أو قذف بعضهم بعضا أو زنوا بغير حربية فعليهم في هذا كله الحكم كما يكون عليهم ولو فعلوه في بلاد الإسلام وإنما يسقط عنهم لو زنى أحدهم بحربية إذا ادعى الشبهة ولا تسقط دار الحرب عنهم فرضا كما لا تسقط عنهم صوما ولا صلاة ولا زكاة فالحدود فرض عليهم وإذا أصاب الرجل حدا وهو محاصر للعدو أقيم عليه الحد ولا يمنعنا الخوف عليه من اللحوق بالمشركين أن نقيم حد الله تعالى ولو فعلنا توقيا أن يغضب ما أقمنا عليه الحد أبدا لأنه يمكنه من أي موضع أن يلحق بدار الحرب فيعطل عنه حكم الله جل ثناؤه ثم حكم رسول الله ﷺ قد أقام رسول الله ﷺ الحد بالمدينة والشرك قريب منها وفيها شرك كثير موادعون وضرب الشارب بحنين والشرك قريب منه.
[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: وإذا دخل الرجل بلاد الحرب فوجد في أيديهم أسيرا أو أسارى رجالا ونساء من المسلمين فاشتراهم وأخرجهم من بلاد الحرب فأراد أن يرجع عليهم بما أعطى فيهم لم يكن ذلك له وك
=======ان متطوعا بالشراء وزائدا أن اشترى ما ليس يباع من الأحرار فإن كان بأمرهم اشتراهم رجع عليهم بما أعطى فيهم من قبل أنه أعطى بأمرهم وإذا أسرت المرأة فنكحها بعض أهل الحرب أو وطئها بلا نكاح ثم ظهر عليها المسلمون لم تسترق هي ولا أولادها لأن أولادها مسلمون بإسلامها فإن كان لها زوج في دار الإسلام لم يلحق به هذا الولد ولحقوا بالنكاح المشرك وإن كان نكاحه فاسدا لأنه نكاح شبهة وإذا أسر المسلم فكان في دار الحرب فلا تنكح امرأته إلا بعد يقين وفاته عرف مكانه أو خفي مكانه وكذلك لا يقسم ميراثه وما صنع الأسير من المسلمين في دار الحرب أو في دار الإسلام أو المسجون وهو صحيح في ماله غير مكره عليه فهو جائز من بيع وهبة وصدقة وغير ذلك.
=================================
كتاب الأم - كتاب الحكم في قتال المشركين ومسألة مال الحربي
المؤلف الشافعي
ما يجوز للأسير في ماله إذا أراد الوصية ←
ملاحظات: المستأمن في دار الحرب
[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: إذا دخل قوم من المسلمين بلاد الحرب بأمان فالعدو منهم آمنون إلى أن يفارقوهم أو يبلغوا مدة أمانهم وليس لهم ظلمهم ولا خيانتهم.
وإن أسر العدو أطفال المسلمين ونساءهم لم أكن أحب لهم الغدر بالعدو ولكن أحب لهم لو سألوهم أن يردوا إليهم الأمان وينبذوا إليهم فإذا فعلوا قاتلوهم عن أطفال المسلمين ونسائهم.
==========================================
→ المستأمن في دار الحرب
كتاب الأم - كتاب الحكم في قتال المشركين ومسألة مال الحربي
المؤلف الشافعي
المسلم يدل المشركين على عورة المسلمين ←
ملاحظات: ما يجوز للأسير في ماله إذا أراد الوصية
[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: يجوز للأسير في بلاد العدو ما صنع في ماله في بلاد الإسلام وإن قدم ليقتل ما لم ينله منه ضرب يكون مرضا وكذلك الرجل بين الصفين.
[قال الشافعي]: أخبرنا بعض أهل المدينة عن محمد بن عبد الله عن الزهري أن مسروقا قدم بين يدي عبد الله بن زمعة يوم الحرة ليضرب عنقه فطلق امرأته ولم يدخل بها فسألوا أهل العلم فقالوا: لها نصف الصداق ولا ميراث لها.
[قال الشافعي]: أخبرنا بعض أهل العلم عن هشام بن عروة عن أبيه أن عامة صدقات الزبير تصدق بها وفعل أمورا وهو واقف على ظهر فرسه يوم الجمل وروي عن عمر بن عبد العزيز: عطية الحبلى جائزة حتى تجلس بين القوابل وبهذا كله نقول.
[قال الشافعي]: وعطية راكب البحر جائزة ما لم يصل إلى الغرق أو شبه الغرق.
[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: وقال القاسم بن محمد وابن المسيب: عطية الحامل جائزة.
[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: وما وصفت من قول من سميت وغيرهم من أهل المدينة وقد روي عن ابن أبي ذئب أنه قال: عطية الحامل من الثلث وعطية الأسير من الثلث وروى ذلك عن الزهري.
[قال الشافعي]: وليس يجوز إلا واحد من هذين القولين والله تعالى أعلم ثم قال قائل في الحبلى عطيتها جائزة حتى تتم ستة أشهر وتأول قول الله عز وجل: {حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت} وليس في قول الله عز وجل: {فلما أثقلت} دلالة على مرض ولو كانت فيه دلالة على مرض يغير الحكم قد يكون مرضا غير ثقيل وثقيلا وحكمه في أن لا يجوز له في ماله إلا الثلث سواء ولو كان ذلك فيه كان الإثقال يحتمل أن يكون حضور الولاد حين تجلس بين القوابل لأن ذلك الوقت الذي يخشيان فيه قضاء الله عز وجل ويسألانه أن يؤتيهما صالحا فإن قال: قد يدعوان الله قبل؟ قيل: نعم مع أول الحمل ووسطه وآخره وقبله والحبلى في أول حملها أشبه بالمرض منها بعد ستة أشهر للتغير والكسل والنوم والضعف ولهي في شهرها أخف منها في شهر البدء من حملها وما في هذا إلا أن الحبل سرور ليس بمرض حتى تحضر الحال المخوفة للأولاد أو يكون تغيرها بالحبل مرضا كله من أوله إلى آخر فيكون ما قال ابن أبي ذئب، فأما غير هذا لا يجوز والله تعالى أعلم لأحد أن يتوهمه.
===============================
كتاب الأم - كتاب الحكم في قتال المشركين ومسألة مال الحربي
المؤلف الشافعي
الغلول ←
ملاحظات: المسلم يدل المشركين على عورة المسلمين
قيل للشافعي: أرأيت المسلم يكتب إلى المشركين من أهل الحرب بأن المسلمين يريدون غزوهم أو بالعورة من عوراتهم هل يحل ذلك دمه ويكون في ذلك دلالة على ممالاة المشركين؟
[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: لا يحل دم من ثبتت له حرمة الإسلام إلا أن يقتل أو يزني بعد إحصان أو يكفر كفرا بينا بعد إيمان ثم يثبت على الكفر وليس الدلالة على عورة مسلم ولا تأييد كافر بأن يحذر أن المسلمين يريدون منه غرة ليحذرها أو يتقدم في نكاية المسلمين بكفر بين، فقلت للشافعي: أقلت هذا خبرا أم قياسا؟ قال قلته بما لا يسع مسلما علمه عندي أن يخالفه بالسنة المنصوصة بعد الاستدلال بالكتاب فقيل للشافعي: فذكر السنة فيه، قال: أخبرنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن الحسن بن محمد عن عبيد الله بن أبي رافع قال (سمعت عليا يقول بعثنا رسول الله ﷺ أنا والمقداد والزبير فقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخرجنا تعادى بنا خيلنا فإذا نحن بالظعينة فقلنا لها: أخرجي الكتاب فقالت: ما معي كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب فأخرجته من عقاصها فأتينا به رسول الله ﷺ فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين ممن بمكة يخبر ببعض أمر النبي ﷺ قال: ما هذا يا حاطب؟ قال: لا تعجل علي يا رسول الله إني كنت امرأ ملصقا في قريش ولم أكن من أنفسها وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها قراباتهم ولم يكن لي بمكة قرابة فأحببت إذ فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يدا والله ما فعلته شكا في ديني ولا رضا لا كفرا بعد الإسلام فقال رسول الله ﷺ إنه قد صدق فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال النبي ﷺ إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله عز وجل قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم قال فنزلت {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء}.
[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: في هذا الحديث مع ما وصفنا لك طرح الحكم باستعمال الظنون لأنه لما كان الكتاب يحتمل أن يكون ما قال حاطب كما قال من أنه لم يفعله شاكا في الإسلام وأنه فعله ليمنع أهله ويحتمل أن يكون زلة لا رغبة عن الإسلام واحتمل المعنى الأقبح كان القول قوله فيما احتمل فعله وحكم رسول الله ﷺ فيه بأن لم يقتله ولم يستعمل عليه الأغلب ولا أحد أتى في مثل هذا أعظم في الظاهر من هذه لأن أمر رسول الله ﷺ مباين في عظمته لجميع الآدميين بعده فإذا كان من خابر المشركين بأمر رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ يريد غرتهم فصدقه ما عاب عليه الأغلب مما يقع في النفوس فيكون لذلك مقبولا كان من بعده في أقل من حاله وأولى أن يقبل منه مثل ما قبل منه قيل للشافعي: أفرأيت إن قال قائل: إن رسول الله ﷺ قال: قد صدق إنما تركه لمعرفته بصدقه لا بأن فعله كان يحتمل الصدق وغيره فيقال له: قد علم رسول الله ﷺ أن المنافقين كاذبون وحقن دماءهم بالظاهر فلو كان حكم النبي ﷺ في حاطب بالعلم بصدقه كان حكمه على المنافقين القتل بالعلم بكذبهم ولكنه إنما حكم في كل بالظاهر وتولى الله عز وجل منهم السرائر ولئلا يكون لحاكم بعده أن يدع حكما له مثل ما وصفت من علل أهل الجاهلية وكل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو عام حتى يأتي عنه دلالة على أنه أراد به خاصا أو عن جماعة المسلمين الذين لا يمكن فيهم أن يجعلوا له سنة أو يكون ذلك موجودا في كتاب الله عز وجل قلت للشافعي أفتأمر الإمام إذا وجد مثل هذا بعقوبة من فعله أم تركه كما ترك النبي ﷺ؟ فقال الشافعي إن العقوبات غير الحدود فأما الحدود فلا تعطل بحال وأما العقوبات فللإمام تركها على الاجتهاد وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال (تجافوا لذوي الهيئات) وقد قيل في الحديث ما لم يكن حد فإذا كان هذا من الرجل ذي الهيئة بجهالة كما كان هذا من حاطب بجهالة وكان غير متهم أحببت أن يتجافى له وإذا كان من غير ذي الهيئة كان للإمام والله تعالى أعلم تعزيره وقد كان النبي ﷺ في أول الإسلام يردد المعترف بالزنا فترك ذلك من أمر النبي ﷺ لجهالته يعني المعترف بما عليه وقد ترك النبي ﷺ عقوبة من غل في سبيل الله فقلت للشافعي: أرأيت الذي يكتب بعورة المسلمين أو يخبر عنهم بأنهم أرادوا بالعدو شيئا ليحذروه من المستأمن والموادع أو يمضي إلى بلاد العدو مخبرا عنهم قال: يعزر هؤلاء ويحبسون عقوبة وليس هذا بنقض للعهد يحل سبيهم وأموالهم ودماءهم وإذا صار منهم واحد إلى بلاد العدو فقالوا: لم نر بهذا نقضا للعهد فليس بنقض للعهد ويعزر ويحبس قلت للشافعي أرأيت الرهبان إذا دلوا على عورة المسلمين؟ قال: يعاقبون وينزلون من الصوامع ويكون من عقوبتهم إخراجهم من أرض الإسلام فيخيرون بين أن يعطوا الجزية ويقيموا بدار الإسلام أو يتركوا يرجعون فإن عادوا أودعهم السجن وعاقبهم مع السجن قلت للشافعي: أفرأيت إن أعانوهم بالسلاح والكراع أو المال أهو كدلالتهم على عورة المسلمين؟ قال: إن كنت تريد في أن هذا لا يحل دماءهم فنعم وبعض هذا أعظم من بعض ويعاقبون بما وصفت أو أكثر ولا يبلغ بهم قتل ولا حد ولا سبي فقلت للشافعي فما الذي يحل دماءهم؟ قال: إن قاتل أحد من غير أهل الإسلام راهب أو ذمي أو مستأمن مع أهل الحرب حل قتله وسباؤه وسبي ذريته وأخذ ماله فأما ما دون القتال فيعاقبون بما وصفت ولا يقتلون ولا تغنم أموالهم ولا يسبون.
===============================
كتاب الأم - كتاب الحكم في قتال المشركين ومسألة مال الحربي
المؤلف الشافعي
الفداء بالأسارى ←
ملاحظات: الغلول
قلت للشافعي: أفرأيت المسلم الحر أو العبد الغازي أو الذمي أو المستأمن يغلون من الغنائم شيئا قبل أن تقسم؟ فقال: لا يقطع ويغرم كل واحد من هؤلاء قيمة ما سرق إن هلك الذي أخذه قبل أن يؤديه وإن كان القوم جهلة علموا ولم يعاقبوا فإن عادوا عوقبوا فقلت للشافعي: أفيرجل عن دابته ويحرق سرجه أو يحرق متاعه؟ فقال: لا يعاقب رجل في ماله وإنما يعاقب في بدنه وإنما جعل الله الحدود على الأبدان وكذلك العقوبات فأما على الأموال فلا عقوبة عليها.
[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: وقليل الغلول وكثيره محرم قلت فما الحجة؟ قال: أخبرنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار وابن عجلان كلاهما عن عمرو بن شعيب وأخبرنا الثقفي عن حميد عن أنس قال: حاصرنا تستر فنزل الهرمزان على حكم عمر فقدمت به على عمر فلما انتهينا إليه قال له عمر: تكلم قال: كلام حي أو كلام ميت؟ قال: تكلم لا بأس قال: إنا وإياكم معاشر العرب ما خلى الله بيننا وبينكم كنا نتعبدكم ونقتلكم ونغصبكم فلما كان الله عز وجل معكم لم يكن لنا بكم يدان فقال عمر: ما تقول؟ فقلت: يا أمير المؤمنين تركت بعدي عدوا كثيرا وشوكة شديدة فإن تقتله ييأس القوم من الحياة ويكون أشد لشوكتهم فقال عمر أستحيي قاتل البراء بن مالك ومجزأة بن ثور؟ فلما خشيت أن يقتله قلت ليس إلى قتله سبيل قد قلت له تكلم لا بأس فقال عمر: ارتشيت وأصبت منه فقلت: والله ما ارتشيت ولا أصبت منه قال: لتأتيني على ما شهدت به بغيرك أو لابدأن بعقوبتك قال فخرجت فلقيت الزبير بن العوام فشهد معي وأمسك عمر وأسلم وفرض له.
[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: وقبول من قبل من الهرمزان أن ينزل على حكم عمر يوافق سنة رسول الله ﷺ فإن رسول الله ﷺ قبل من بني قريظة حين حصرهم وجهد بهم الحرب أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ.
[قال الشافعي]: ولا بأس أن يقبل الإمام من أهل الحصن عقله ونظره للإسلام وذلك أن السنة دلت على أن قبول الإمام إنما كان لمن وصفت من أهل القناعة والثقة فلا يجوز للإمام عندي أن يقبل خلافهم من غير أهل القناعة والثقة والعقل فيكون قبل خلاف ما قبلوا منه ولو فعل كان قد ترك النظر ولم يكن له عذر فإن قال قائل وكيف يجوز أن ينزل على حكم من لعله لا يدري ما يصنع؟ قيل لما كان الله عز وجل أذن بالمن والفداء في الأسارى من المشركين وسن رسول الله ﷺ ذلك لما بعد الحكم أبدا أن يمن أو يفادي أو يقتل أو يسترق فأي ذلك فعل فقد جاء به كتاب الله تبارك وتعالى ثم سنة رسول الله ﷺ.
[قال الشافعي]: وقد وصفنا أن للإمام في الأسارى الخيار في غير هذا الكتاب وأحب أن يكون على النظر للإسلام وأهله فيقتل إن كان ذلك أوهن وأطفأ للحرب ويدع إن كان ذلك أشد لنشر الحرب وأطلب للعدو على نحو ما أشار به أنس على عمر ومتى سبق من الإمام قول فيه أمان ثم ندم عليه لم يكن له نقض الأمان بعدما سبق منه وكذلك كل قول يشبه الأمان مثل قول عمر تكلم لا بأس.
[قال الشافعي]: ولا قود على قاتل أحد بعينه لأن الهرمزان قاتل البراء بن مالك ومجزأة بن ثور فلم ير عليه عمر قودا وقول عمر في هذا موافق سنة رسول الله ﷺ قد جاءه قاتل حمزة مسلما فلم يقتله به قودا وجاءه بشر كثير كلهم قاتل معروف بعينه فلم ير عليه قودا وقول عمر لتأتيني بمن يشهد على ذلك أو لابدأن بعقوبتك يحتمل أن لم يذكر ما قال للهرمزان من أن لا تقبل إلا بشاهدين ويحتمل أن احتياطا كما احتاط في الأخبار ويحتمل أن يكون في يديه فجعل الشاهد غيره لأنه دافع عمن هو بيديه وأشبه ذلك عندنا أن يكون احتياطا والله تعالى أعلم.
[قال الشافعي]: أخبرنا الثقفي عن حميد عن موسى بن أنس عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه سأله " إذا حاصرتم المدينة كيف تصنعون " قال: نبعث الرجل إلى المدينة ونصنع له هنة من جلود قال: " أرأيت إن رمي بحجر " قال إذا يقتل قال: فلا تفعلوا فوالذي نفسي بيده ما يسرني أن تفتحوا مدينة فيها أربعة آلاف مقاتل بتضييع رجل مسلم.
[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: ما قال عمر بن الخطاب من هذا احتياط وحسن نظر للمسلمين وإني أستحب للإمام ولجميع العمال وللناس كلهم أن لا يكونوا معترضين لمثل هذا ولا لغيره مما الأغلب عليه منه التلف وليس هذا بمحرم على من عرضه والمبارزة ليست هكذا لأن المبارزة إنما يبرز لواحد فلا يبين أنه مخاطر إنما المخاطر المتقدم على جماعة أهل الحصن فيرمى أو على الجماعة وحده الأغلب أن لا يدان له بهم فإن قال قائل: ما دل على أن لا بأس بالتقدم على الجماعة؟ قيل بلغنا (أن رجلا قال: يا رسول الله إلام يضحك الله من عبده؟ قال غمسه يده في العدو حاسرا فألقى درعا كانت عليه وحمل حاسرا حتى قتل).
[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: والاختيار أن يتحرز.
[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: أخبرنا سفيان بن عيينة عن يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد (أن النبي ﷺ ظاهر يوم أحد بين درعين).
[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: أخبرنا الثقفي عن حميد عن أنس قال (سار رسول الله ﷺ إلى خيبر فانتهى إليها ليلا وكان رسول الله ﷺ إذا طرق قوما ليلا لم يغر عليهم حتى يصبح فإن سمع أذانا أمسك وإن لم يكونوا يصلون أغار عليهم حين يصبح فلما أصبح ركب وركب معه المسلمون وخرج أهل القرية ومعهم مكاتلهم ومساحيهم فلما رأوا رسول الله ﷺ قالوا محمد والخميس فقال رسول الله ﷺ الله أكبر الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين قال أنس وإني لرديف أبي طلحة وإن قدمي لتمس قدم رسول الله ﷺ).
[قال الشافعي]: وفي رواية أنس أن النبي ﷺ كان لا يغير حتى يصبح ليس بتحريم للإغارة ليلا ونهارا ولا غارين في حال والله تعالى أعلم، ولكنه على أن يكون يبصر من معه كيف يغيرون احتياطا من أن يؤتوا من كمين أو حيث لا يشعرون وقد تختلط الحرب إذا أغاروا ليلا فيقتل بعض المسلمين بعضا وقد أصابهم ذلك في قتل ابن عتيك فقطعوا رجل أحدهم، فإن قال قائل ما دل على أن هذا من فعل النبي ﷺ ليس بتحريم أن يغير أحد ليلا؟ قيل: قد أمر بالغارة على غير واحد من اليهود فقتلوه.
=======================================
→ الغلول
كتاب الأم - كتاب الحكم في قتال المشركين ومسألة مال الحربي
المؤلف الشافعي
العبد المسلم يأبق إلى أهل دار الحرب ←
ملاحظات: الفداء بالأسارى
[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: أخبرنا الثقفي عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين قال (أسر أصحاب رسول الله ﷺ رجلا من بني عقيل فأوثقوه وطرحوه في الحرة فمر به رسول الله ﷺ ونحن معه أو قال أتى عليه رسول الله ﷺ وهو على حمار وتحته قطيفة فناداه يا محمد يا محمد فأتاه النبي ﷺ فقال: ما شأنك قال: فيم أخذت وفيم أخذت سابقة الحاج؟ قال أخذت بجريرة حلفائكم ثقيف وكانت ثقيف قد أسرت رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ فتركه ومضى فناداه يا محمد يا محمد فرحمه رسول الله ﷺ فرجع إليه فقال ما شأنك قال: إني مسلم فقال لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح قال فتركه ومضى فناداه يا محمد يا محمد فرجع إليه فقال: إني جائع فأطعمني قال. وأحسبه قال وإني عطشان فاسقني قال: هذه حاجتك ففداه رسول الله ﷺ بالرجلين اللذين أسرتهما ثقيف وأخذ ناقته).
[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: قول رسول الله ﷺ (أخذت بجريرة حلفائكم ثقيف) إنما هو أن المأخوذ مشرك مباح الدم والمال لشركه من جميع جهاته والعفو عنه مباح فلما كان هكذا لم ينكر أن يقول أخذت أي حبست بجريرة حلفائكم ثقيف ويحبسه بذلك ليصير إلى أن يخلوا من أراد ويصيروا إلى ما أراد.
[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: وقد غلط بهذا بعض من يشدد الولاية فقال: يؤخذ الولي من المسلمين وهذا مشرك يحل أن يؤخذ بكل جهة وقد (قال رسول الله ﷺ لرجلين مسلمين هذا ابنك؟ قال نعم قال أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه وقضى الله عز وجل أن لا تزر وازرة وزر أخرى) ولما كان حبس هذا حلالا بغير جناية غيره وإرساله مباحا كان جائزا أن يحبس بجناية غيره لاستحقاقه ذلك بنفسه ويخلى تطوعا إذا نال به بعض ما يحب حابسه.
[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: (وأسلم هذا الأسير فرأى النبي ﷺ أنه أسلم لا بنية فقال لو قلتها وأنت تملك نفسك أفلحت كل الفلاح) وحقن بإسلامه دمه ولم يخله بالإسلام إذ كان بعد إساره وهكذا من أسر من المشركين فأسلم حقن له إسلامه دمه ولم يخرجه إسلامه من الرق إن رأى الإمام استرقاقه استدلالا بما وصفنا من الحديث عن النبي ﷺ وفعله بالرجلين بعد إسلامهما فهذا أثبت عليه الرق بعد إسلامه.
[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: وهذا رد لقول مجاهد لأن سفيان أخبرنا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: إذا أسلم أهل العنوة فهم أحرار وأموالهم فيء للمسلمين فتركنا هذا استدلالا بالخبر عن النبي ﷺ.
[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: وإذا فاداه النبي ﷺ برجلين من أصحابه فإنما فاداه بهما أنه فك الرق عنه بأن خلوا صاحبيه. وفي هذا دلالة على أن لا بأس أن يعطي المسلمون المشركين من يجري عليه الرق وإن أسلم إذا كان من يدفعون إليهم من المسلمين لا يسترق وهذا العقيلي لا يسترق لموضعه فيهم وإن خرج من بلاد الإسلام إلى بلاد الشرك وفي هذا دلالة على أنه لا بأس أن يخرج المسلم من بلاد الإسلام إلى بلاد الشرك لأن النبي ﷺ إذا فدى صاحبيه فالعقيلي بعد إسلامه وبلاده بلاد شرك ففي ذلك دلالة على ما وصفت.
[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: فداء النبي ﷺ هذا بالعقيلي ورده إلى بلده وهي أرض كفر لعلمه بأنهم لا يضرونه ولا يجترئون عليه لقدره فيهم وشرفه عندهم ولو أسلم رجل لم يرد إلى قوم يقومون عليه أن يضروه إلا في مثل حال العقيلي.
[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: وفداؤه بالعقيلي والعقيلي لا يسترق خلاف أن يفدى بمن يسترق من المسلمين قال: ولا بأس أن يفدى بمن يسترق من المشركين البالغين المسلمين وإذا جاز أن يفدى بمن يسترق جاز أن يبيع المسلمون المشركين البالغين من المشركين.
============================
كتاب الأم - كتاب الحكم في قتال المشركين ومسألة مال الحربي
المؤلف الشافعي
الخلاف في التحريق ←
ملاحظات: العبد المسلم يأبق إلى أهل دار الحرب
سألت الشافعي عن العدو يأبق إليهم العبد أو يشرد البعير أو يغيرون فينالونهما أو يملكونهما أسهما؟ قال: لا فقلت للشافعي: فما تقول فيهما إذا ظهر عليهم المسلمون فجاء أصحابهما قبل أن يقتسما؟ فقال: هما لصاحبهما فقلت أرأيت إن وقعا في المقاسم؟ فقال: اختلف فيهما المفتون فمنهم من قال هما قبل المقاسم وبعدها سواء لصاحبهما ومنهم من قال هما لصاحبهما قبل المقاسم فإذا وقعت المقاسم وصارا في سهم رجل فلا سبيل إليهما ومنهم من قال صاحبهما أحق بهما ما لم يقسما فإذا قسما فصاحبهما أحق بهما بالقيمة: قلت للشافعي: فما اخترت من هذا؟ قال: أنا أستخير الله عز وجل فيه قلت فمع أي القولين الآثار والقياس؟ فقال: دلالة السنة والله تعالى أعلم. فقلت للشافعي: فاذكر السنة فقال: أخبرنا الثقفي عن أيوب عن أبي قلابة عن عمران بن حصين قال (سبيت امرأة من الأنصار وكانت الناقة قد أصيبت قبلها).
[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: كأنه يعني ناقة النبي ﷺ لأن آخر حديثه يدل على ذلك قال عمران بن حصين (فكانت تكون فيهم وكانوا يجيئون بالنعم إليهم فانفلتت ذات ليلة من الوثاق فأتت الإبل فجعلت كلما أتت بعيرا منها فمسته رغا فتركته حتى أتت تلك الناقة فمستها فلم ترغ وهي ناقة هدرة فقعدت في عجزها ثم صاحت بها فانطلقت وطلبت من ليلتها فلم يقدر عليها فجعلت لله عليها إن الله أنجاها عليها لتنحرنها فلما قدمت المدينة عرفوا الناقة وقالوا: ناقة رسول الله ﷺ فقالت: إنها قد جعلت لله تعالى عليها لتنحرنها فقالوا والله لا تنحريها حتى نؤذن رسول الله ﷺ فأتوه فأخبروه أن فلانة قد جاءت على ناقتك وأنها قد جعلت لله عليها إن نجاها الله عليها لتنحرنها فقال رسول الله ﷺ لبئس ما جزتها إن أنجاها الله عليها لتنحرنها لا وفاء لنذر في معصية الله ولا وفاء لنذر فيما لا يملك العبد أو قال ابن آدم).
[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: وهذا الحديث يدل على أن العدو قد أحرز ناقة رسول الله ﷺ وأن الأنصارية انفلتت من إسارهم عليها بعد إحرازهموها ورأت أنها لها فأخبر رسول الله ﷺ أنها قد نذرت فيما لا تملك ولا نذر لها وأخذ رسول الله ﷺ ناقته ولو كان المشركون يملكون على المسلمين لم يعد أخذ الأنصارية الناقة أن تكون ملكها بأنها أخذتها ولا خمس فيها لأنها لم توجف عليها وقد قال بهذا غيرنا ولسنا نقول به أو تكون ملكت أربعة أخماسها وخمسها لأهل الخمس أو تكون من الفيء الذي لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب فيكون أربعة أخماسها للنبي ﷺ وخمسها لأهل الخمس ولا أحفظ قولا لأحد أن يتوهمه في هذا غير أحد هذه الثلاثة الأقاويل. قال: فلما أخذ رسول الله ﷺ ناقته دل هذا على أن المشركين لا يملكون شيئا على المسلمين وإذا لم يملك المشركون على المسلمين ما أوجفوا عليه بخيلهم فأحرزوه في ديارهم أشبه والله تعالى أعلم أن لا يملك المسلمون عنهم ما لم يملكوا هم لأنفسهم قبل قسم الغنيمة ولا بعده، قلت للشافعي رحمه الله تعالى فإن كان هذا ثابتا عن رسول الله ﷺ فكيف اختلف فيه؟ فقال: قد يذهب بعض السنن على بعض أهل العلم ولو علمها إن شاء الله تعالى قال بها، قلت للشافعي: أفرأيت من لقيت ممن سمع هذا كيف تركه؟ فقال: لم يدعه كله ولم يأخذ به كله، فقلت: فكيف كان هذا؟ قال: والله تعالى أعلم ولا يجوز هذا لأحد، فقلت فهل ذهب فيه إلى شيء؟ فقال: كلمني بعض من ذهب هذا المذهب فقال: وهكذا يقول فيه المقاسم فيصير عبد رجل في سهم رجل فيكون مفروزا من حقه وبتفرق الجيش فلا يجد أحدا يتبعه بسهمه فينقلب لا سهم له. فقلت له: أفرأيت لو وقع في سهمه حر أو أم ولد لرجل؟ قال يخرج من يده ويعوض من بيت المال فقلت له: وإن لم يستحق الحر الحرية ولا مالك أم الولد إلا بعد تفرق الجيش؟ قال: نعم ويعوض من بيت المال. فقلت له: وما يدخل على من قال هذا القول في عبد الرجل المسلم يخرج من يدي من صار سهمه ويعوض منه قيمته. فقال من أين يعوض؟ قلت: من الخمس خاصة. قال: ومن أي الخمس؟ قلت سهم النبي ﷺ فإنه كان يضعه في الأنفال ومصالح المسلمين.
[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: فقال لي قائل: تول الجواب عمن قال صاحب المال أحق به قبل المقاسم وبعده قلت فاسأل فقال: ما حجتك فيه؟ قلت: ما وصفت من السنة في حديث عمران بن حصين والخبر عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ وأن السنة إذا دلت أن المشركين لا يملكون على المسلمين شيئا بحال لم يجز أن يملكوا عليهم بحال أخرى إلا بسنة مثلها. فقال ومن أين؟ قلت: إني إذا أعطيت أن مالك العبد إذا وجد عبده قبل ما يحرزه العدو ثم يحرزه المسلمون على العدو قبل أن يقسمه المسلمون فقد أعطيت أن العدو لم يملكوه ملكا يتم لهم ولو ملكوه ملكا يتم لهم لم يكن العبد لسيده إذا ملكه الموجفون عليه من المسلمين قبل القسم ولا بعده أرأيت لو كان أسرهم إياه وغلبتهم عليه كبيع مولاه له منهم أو هبته إياه ثم أوجف عليه ألا يكون للموجفين؟ قال: بلى قلت: أفتعدو غلبة العدو عليه أن تكون ملكا فيكون كمال لهم سواء مما وهب لهم أو اشتروه أو تكون غصبا لا يملكونه عليه؟ فإذا كانت السنة والآثار والإجماع تدل على أنه كالغصب قبل أن يقسم فكذلك ينبغي أن يكون بعدما يقسم، ألا ترى أن مسلما متأولا أو غير متأول لو أوجف على عبد ثم أخذ من يد من قهره عليه كان لمالكه الأول فإذا لم يملك مسلم على مسلم بغصب كان المشرك أولى أن لا يكون مالكا مع أنك لم تجعل المشرك مالكا ولا غير مالك.
[قال الشافعي]: فقال: إن هذا ليدخله ولكنا قلنا فيه بالأثر.
[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: أرأيت إن قال لك قائل: هذه السنة والأثر تجامع ما قلنا وهو القياس والمعقول فكيف صرت إلى أن تأخذ بشيء دون السنة وتدع السنة وشيء من الأثر أقل من الآثار وتدع الأكثر فما حجتك فيه؟ قال: إنا قد قلنا بالسنة والآثار التي ذهبت إليها ولم يكن فيها بيان أن ذلك بعد القسمة كهو قبلها.
[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: قلت له: أما فيها بيان أن العدو لو ملكوا على المسلمين ما أحرزوا من أموالهم ملكا تاما كان ذلك لمن ملك من المسلمين على المشركين دون مالكه الأول؟ قال: بلى قلت: أولا يكون مملوكا لمالكه الأول بكل حال أو للعدو إذا أحرزوه؟ فقال: إن هذا ليدخل ذلك ولكن صرنا إلى الأثر وتركنا القياس.
[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: فقلت له فهذه السنة والآثار والقياس عليها فقال: قد يحتمل أن يكون حكمه قبل ما يقسم حكمه بعد ما يقسم حكمه.
[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: فقلت له: أما في قياس أو عقل فلا يجوز أن يكون هذا لو كان إلا بالأثر عن النبي ﷺ فإن لم يرو عن النبي ﷺ فيه شيء ويروى عمن دونه فليس في أحد مع النبي ﷺ حجة قال: أفيحتمل من روى عنه قولنا من أصحاب النبي ﷺ أن يكون ذهب عليه هذا عن النبي ﷺ؟ فقلت: أفيحتمل عندك؟ فقال: نعم فقلت: فما مسألتك عن أمر تعلم أن لا مسألة فيه؟ قال فأوجدني مثل هذا فقلت: نعم وأبين قال مثل ماذا؟
[قال الشافعي]: قضى رسول الله ﷺ في السن بخمس وقضى عمر في الضرس ببعير فكان يحتمل لذاهب لو ذهب مذهب عمر أن يقول السن ما أقبل والضرس ما أكل عليه ثم يكون هذا وجها محتملا يصح المذهب فيه؟ فلما كانت السن داخلة في معنى الأسنان في حال فإن باينتها باسم منفرد دونها كما تباين الأسنان بأسماء تعرف بها صرنا وأنت إلى ما روي عن النبي ﷺ جملة وجعلنا الأعم أولى بقول النبي ﷺ من الأخص وإن احتمل الأخص من حكم كثير غير هذا نقول فيه نحن وأنت بمثل هذا قال: هذا في هذا وغيره كما تقول قلت فما أحرز المشركون ثم أحرز عنهم فكان لمالكه قبل القسم ولم يأت عن النبي ﷺ أنه ليس له بعد القسم أثر غير هذا فأحرى لا يحتمل معنى إلا أن المشركين لا يحرزون على المسلمين شيئا قال: فإنا نأخذ قولنا من غير هذا الوجه إذا دخل من هذا الوجه فأخذه من أنا روينا عن النبي ﷺ (من أسلم على شيء فهو له) وروينا عنه أن المغيرة أسلم على مال قوم قد قتلهم وأخفاه فكان له.
[قال الشافعي]: أرأيت ما رويت عن النبي ﷺ من أنه من أسلم على شيء فهو له " أيثبت؟ قال هو من حديثكم قلت نعم منقطع ونحن نكلمك على تثبيته فنقول لك أرأيت إن كان ثابتا أهو عام أو خاص؟ قال: فإن قلت هو عام؟ قلت: إذا نقول لك أرأيت عدوا أحرز حرا أو أم ولد أو مكاتبا أو مدبرا أو عبدا مرهونا فأسلم عليهم؟ قال: لا يكون له حر ولا أم ولد ولا شيء لا يجوز ملكه.
[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: فقلت له فتركت قولك: إنه عام؟ قال: نعم وأقول من أسلم على شيء يجوز ملكه لمالكه الذي غصبه عليه قلنا فأم الولد يجوز ملكها لمالكها إلى أن يموت أفتجعل للعدو ملكها إلى موت سيدها؟ قال: لا لأن فرجها لا يحل لهم قلت: إن أحللت ملك رقبتها بالغصب حين تقيم الغاصب مقام سيدها إنك لشبيه أن تحل فرجها أو ملكها وإن منعت فرجها، أو رأيت إن جعلت الحديث خاصا وأخرجته من العموم أيجوز لك فيه أن تقول فيه بالخاص بغير دلالة عن النبي ﷺ؟
[قال الشافعي]: فقال: فأستدل بحديث المغيرة على أن المغيرة ملك ما يجوز له تملكه فأسلم عليه فلم يخرجه النبي ﷺ من يده لم يخمسه قال: فقلت له الذين قتلوا المغيرة مشركون فإن زعمت أن حكم أموال المسلمين حكم أموال المشركين كلمناك على ذلك، قال: ما حكم أموال المشركين حكم أموال المسلمين وإنه ليدخل على هذا القول ما وصفت، فهل تجد إن ثبت عن النبي ﷺ أنه قال (من أسلم على شيء فهو له) مخرجا صحيحا لا يدخل فيه شيء مثل ما دخل هذا القول؟
[قال الشافعي]: فقلت له: نعم من أسلم على شيء يجوز له ملكه فهو له فقال هذا جملة فأبنه فقلت له: إن شاء الله تبارك وتعالى أعز أهل دينه إلا بحقها فهي من غير أهل دينه أولى أن تكون ممنوعة أو أقوى على منعها فإذا كان المسلم لو قهر مسلما على عبد ثم ورث عن القاهر أو غلبه عليه متأول أو لص أخذه المقهور عليه بأصل ملكه الأول وكان لا يملكه مسلم بغصب فالكافر أولى أن لا يملكه بغصب، وذلك أن الله جل ثناؤه خول المسلمين أنفس الكافرين المحاربين وأموالهم فيشبه والله تعالى أعلم أن يكون المشركون إن كانوا إذا قدروا عليهم وأموالهم خولا لأهل دين الله عز وجل أن لا يكون لهم أن يتحولوا من أموال أهل دين الله شيئا يقدر على إخراجه من أيديهم ولا يجوز أن يكون المتخول متخولا على ممن يتخوله إذا قدر عليه قال: فما الذي يسلمون عليه فيكون لهم؟ فقلت ما غصبه بعض المشركين بعضا ثم أسلم عليه الغاصب كان له أخذه المغيرة من أموال المشركين وذلك أن المشركين الغاصبين والمغصوبين لم يكونوا ممنوعي الأموال بدين الله عز وجل فلما أخذها بعضهم لبعض أو سبى بعضهم بعضا ثم أسلم السابي الآخذ للمال كان له ما أسلم عليه لأنه أسلم على ما لو ابتدأ أخذه في الإسلام كان له ولم يكن له أن يبتدئ في الإسلام أخذ شيء لمسلم فقال لي: أرأيت من قال هذا القول كيف زعم في المشركين إذا أخذوا لمسلم عبدا أو مالا غيره أو أمته أو أم ولده أو مدبره أو مكاتبه أو مرهونه أو أمة جانية أو غير ذلك ثم أحرزها المسلمون؟ فقلت هذا يكون كله لمالكه على الملك الأول وبالحال الأول قبل أن يحرزها العدو وتكون أم الولد أم ولد وإن مات سيدها عتقت بموته في بلاد الحرب أو بعد والمدبرة مدبرة ما لم يرجع فيها سيدها والعبد الجاني والأمة الجانية جانيين في رقابهما الجناية لا يغير السباء منهما شيئا وكذلك الرهن وغيره قال: أفرأيت إن أحرز هذا المشركون ثم أحرزه عليهم مشركون غيرهم ثم أحرزه المسلمون ثم أحرزه المشركون عليهم؟ قلت: كيف كان هذا وتطاول؟ فهذا قول لا يدخل بحال هو على الملك الأول وكل حادث فيه بعده لا يبطله ويدفعون إلى مالكيهم الأولين المسلمين فقلت للشافعي رحمه الله تعالى: فأجب على هذا القول أرأيت إن أحرز العدو جارية رجل فوطئها المحرز لها فولدت ثم ظهر عليها المسلمون فقال هي وأولادها لمالكها؟ فقلت: فإن أسلموا عليها؟ قال: تدفع الجارية إلى مالكها ويأخذ ممن وطئها عقرها وقيمة أولادها يوم سقطوا.
[قال الشافعي]: أخبرنا حاتم عن جعفر عن أبيه عن يزيد بن هرمز أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن خلال فقال ابن عباس: إن ناسا يقولون: إن ابن عباس يكاتب الحرورية ولولا أني أخاف أن أكتم علما لم أكتب إليه فكتب نجدة إليه أما بعد أخبرني هل كان رسول الله ﷺ يغزو بالنساء وهل كان يضرب لهن بسهم وهل كان يقتل الصبيان ومتى ينقضي يتم اليتيم وعن الخمس لمن هو؟ فكتب إليه ابن عباس " إنك كتبت تسألني هل كان رسول الله ﷺ يغزو بالنساء وقد كان يغزو بهن فيداوين المرضى ويحذين من الغنيمة وأما السهم فلم يضرب لهن بسهم وإن رسول الله ﷺ لم يقتل الولدان فلا تقتلهم إلا أن تكون تعلم منهم ما علم الخضر من الصبي الذي قتله فتميز بين المؤمن والكافر فتقتل الكافر وتدع المؤمن وكتبت متى ينقضي يتم اليتيم ولعمري إن الرجل لتشيب لحيته وإنه لضعيف الأخذ ضعيف الإعطاء فإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس فقد ذهب عنه اليتم وكتبت تسألني عن الخمس وإنا كنا نقول هو لنا فأبى ذلك علينا قومنا فصبرنا عليه.
سألت الشافعي عن المسلمين إذا غزوا أهل الحرب هل يكره لهم أن يقطعوا الشجر المثمر ويخربوا منازلهم ومدائنهم ويغرقوها ويحرقوها ويخربوا ما قدروا عليه من ثمارهم وشجرهم وتؤخذ أمتعتهم؟
[قال الشافعي]: كل ما كان مما يملكوا لا روح له فإتلافه مباح بكل وجه وكل ما زعمت أنه مباح فحلال للمسلمين فعله وغير محرم عليهم تركه وأحب إذا غزا المسلمون بلاد دار الحرب وكانت غزاتهم غارة أو كان عدوهم كثيرا ومتحصنا ممتنعا لا يغلب عليهم أن تصير دارهم دار الإسلام ولا دار عهد يجري عليها الحكم أن يقطعوا ويحرقوا ويخربوا ما قدروا عليه من ثمارهم وشجرهم ويؤخذ متاعهم وما كان يحمل من خفيف متاعهم فقدروا عليه اخترت أن يغنموه وما لم يقدروا عليه حرقوه وغرقوه وإذا كان الأغلب عليهم أنها ستصير دار الإسلام أو دار عهد يجري عليهم الحكم اخترت لهم الكف عن أموالهم ليغنموها إن شاء الله تعالى ولا يحرم عليهم تحريقها ولا تخريبها حتى يصيروا مسلمين أو ذمة أو يصير منها في أيديهم شيء مما يحمل فينقل فلا يحل تحريق ذلك لأنه صار للمسلمين ويحرقوا ما سواه مما لا يحمل وإنما زعمت أنه لا يحرم تحريق شجرهم وعامرهم وإن طمع بهم لأنه قد يطمع بالقوم ثم يكون الأمر على غير ما عليه الطمع وإنها حرقت ولم يحرزها المسلمون وإنما زعمت أن لهم الكف عن تحريقها لأن هكذا أصل المباح وقد حرق النبي ﷺ على قوم ولم يحرق على آخرين وإن حمل المسلمون شيئا من أموالهم فلم يقتسموه حتى أدركهم عدو وخافوا غلبتهم عليه فلا بأس أن يحرقوه بأن أجمعوا على ذلك وكذلك لو اقتسموه لم أر بأسا على أحد صار في يده أن يحرقه وإن كانوا يرجون منعه لم أحب أن يعجلوا بتحريقه والبيض ما لم يكن فيه فراخ من غير ذوات الأرواح بمعنى الكفار وما ذبحوا من ذوات الأرواح حتى زايله الروح بمنزلة ما لا روح له فيحرق كله إن أدركهم العدو في بلاد المشركين على ما وصفت إن شاءوا ذلك وإن شاءوا تركوه فأما ذوات الأرواح من الخيل والبقر والنحل وغيرها فلا تحرق ولا تعقر ولا تغرق إلا بما يحل به ذبحها أو في موضع ضرورة فقلت كتاب الله عز وجل ثم سنة نبيه ﷺ قال الله تبارك وتعالى في بني النضير حين حاربهم رسول الله ﷺ {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب} قرأ إلى {يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين} فوصف إخرابهم منازلهم بأيديهم وإخراب المؤمنين بيوتهم ووصفه إياه جل ثناؤه كالرضا به وأمر رسول الله ﷺ بقطع نخل من ألوان نخلهم فأنزل الله تبارك وتعالى: رضا بما صنعوا من قطع نخيلهم {ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين} فرضي القطع وأباح الترك فالقطع والترك موجودان في الكتاب والسنة وذلك أن رسول الله ﷺ قطع نخل بني النضير وترك وقطع نخل غيرهم وترك وممن غزا من لم يقطع نخله.
[قال الشافعي]: أخبرنا أنس بن عياض عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (أن رسول الله ﷺ قطع نخل بني النضير).
[قال الشافعي]: أخبرنا إبراهيم بن سعد بن إبراهيم عن ابن شهاب أن رسول الله ﷺ حرق أموال بني النضير فقال قائل:.
وهان على سراة بني لؤي ** حريق بالبويرة مستطير.
فإن قال قائل: ولعل النبي ﷺ حرق مال بني النضير ثم ترك قيل على معنى ما أنزل الله عز وجل وقد قطع وحرق بخيبر وهي بعد النضير وحرق بالطائف وهي آخر غزاة قاتل بها وأمر أسامة بن زيد أن يحرق على أهل أبنى [قال الشافعي] رحمه الله تعالى: أخبرنا بعض أصحابنا عن عبد الله بن جعفر الأزهري قال: سمعت ابن شهاب يحدث عن عروة عن أسامة بن زيد قال (أمرني رسول الله ﷺ أن أغزو صباحا على أهل أبنى وأحرق.).
==============================================
كتاب الأم - كتاب الحكم في قتال المشركين ومسألة مال الحربي
المؤلف الشافعي
ذوات الأرواح ←
ملاحظات: الخلاف في التحريق
قلت للشافعي رحمه الله تعالى: فهل خالف ما قلت في هذا أحد؟ فقال: نعم بعض إخواننا من مفتي الشاميين فقلت: إلى أي شيء ذهبوا؟ قال: إلى أنهم رووا عن أبي بكر أنه نهى أن يخرب عامر وأن يقطع شجر مثمر فيها فيما نهى عنه قلت: فما الحجة عليه؟ قال: ما وصفت من الكتاب والسنة فقلت: علام تعد نهي أبي بكر عن ذلك؟ فقال الله تعالى أعلم أما الظن به فإنه سمع النبي ﷺ يذكر فتح الشام فكان على يقين منه فأمر بترك تخريب العامر وقطع المثمر ليكون للمسلمين لا لأنه رآه محرما لأنه قد حضر مع النبي ﷺ تحريقه بالنضير وخيبر والطائف فلعلهم أنزلوه على غير ما أنزله عليه والحجة فيما أنزل الله عز وجل في صنيع رسول الله ﷺ قال: وكل شيء في وصية أبي بكر سوى هذا فيه نأخذ.
===================================
كتاب الأم - كتاب الحكم في قتال المشركين ومسألة مال الحربي
المؤلف الشافعي
السبي يقتل ←
ملاحظات: ذوات الأرواح
قلت للشافعي رحمه الله تعالى: أفرأيت ما ظفر المسلمون به من ذوات الأرواح من أموال المشركين من الخيل والنحل وغيرها من الماشية فقدروا على إتلافه قبل أن يغنموه أو غنموه فأدركهم العدو فخافوا أن يستنقذوه منهم ويقووا به على المسلمين أيجوز لهم إتلافه بذبح أو عقر أو تحريق أو تغريق في شيء من الأحوال؟
[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: لا يحل عندي أن يقصد قصده بشيء يتلفه إذا كان لا راكب عليه فقلت للشافعي ولم قلت وإنما هو مال من أموالهم لا يقصد قصده بالتلف؟
[قال الشافعي]: لفراقه ما سواه من المال لأنه ذو روح يألم بالعذاب ولا ذنب له وليس كما لا روح له يألم بالعذاب من أموالهم وقد نهي عن ذوات الأرواح أن يقتل ما قدر عليه منها إلا بالذبح لتؤكل وما امتنع بما نيل من السلاح لتؤكل وما كان منها عداء وضارا للضرورة قلت للشافعي: اذكر ما وصفت فقال: أخبرنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن صهيب مولى عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال (من قتل عصفورا فما فوقها بغير حقها سأله الله عز وجل عن قتلها).
[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: فلما كان قتل ذوات الأرواح من البهائم محظورا إلا بما وصفت كان عقر الخيل والدواب التي لا ركبان عليها من المشركين داخلا في معنى الحظر خارجا من معنى المباح فلم يجز عندي أن تعقر ذوات الأرواح إلا على ما وصفت فإن قال قائل: ففي ذلك غيظ المشركين وقطع لبعض قوتهم قيل له: إنما ينال من غيظ المشركين بما كان غير ممنوع من أن ينال فأما الممنوع فلا يغاظ أحد بأن يأتي الغائظ له ما نهي عن إتيانه ألا ترى أنا لو سبينا نساءهم وولدانهم فأدركونا فلم نشك في استنفاذهم إياهم منا لم يجز لنا قتلهم وقتلهم أغيظ لهم وأنكى من قتل دوابهم فإن قال قائل: فقد روي أن جعفر بن أبي طالب عقر عند الحرب؟ فلا أحفظ ذلك من وجه يثبت على الانفراد ولا أعلمه مشهورا عند عوام أهل العلم بالمغازي قيل للشافعي رحمه الله تعالى: أفرأيت الفارس من المشركين أللمسلم أن يعقره؟ قال: نعم إن شاء الله تعالى لأن هذه منزلة يجد السبيل بها إلى قتل من أمر بقتله فإن قال قائل: فاذكر ما يشبه هذا قيل يكون له أن يرمي المشرك بالنبل والنار والمنجنيق فإذا صار أسيرا في يديه لم يكن له أن يفعل ذلك به وكان له قتله بالسيف وكذلك له أن يرمي الصيد فيقتله فإذا صار في يديه لم يقتله إلا بالذكاء التي هي أخف عليه وقد أبيح له دم المشرك بالمنجنيق وإن أصاب ذلك بعض من معهم ممن هو محظور الدم للمرء في دفعه عن نفسه عدوه أكثر من هذا فإن قال: فهل في هذا خبر؟ قيل: نعم عقر حنظلة بن الراهب بأبي سفيان بن حرب يوم أحد فرسه فانعكست به وصرع عنها فجلس حنظلة على صدره وعطف ابن شعوب على حنظلة فقتله وذلك بين يدي رسول الله ﷺ فلم نعلم رسول الله ﷺ أنكر ذلك عليه ولا نهاه ولا نهى غيره عن مثل هذا.
[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: ولكنه إذا صار إلى أن يفارقه فارسه لم يكن له عقره في تلك الحال والله تعالى أعلم وكذلك لو كانت عليه امرأة أو صبي لا يقاتل لم يعقر إنما يعقر لمعنى أن يوصل إلى فارسه ليقتل أو ليؤسر قيل للشافعي: فهل سمعت في هذا حديثا عمن بعد النبي ﷺ؟ فقال: إنما الغاية أن يوجد على شيء دلالة من كتاب أو سنة وقد وصفت لك بعض ما حضرني من ذلك فلا يزيده شيء وافقه قوة ولا يوهنه شيء خالفه وقد بلغنا عن أبي أمامة الباهلي أنه أوصى ابنه لا يعقر جسدا وعن عمر بن عبد العزيز أنه نهى عن عقر الدابة إذا هي قامت وعن قبيصة أن فرسا قام عليه بأرض الروم فتركه ونهى عن عقره.
[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: وأخبرنا من سمع هشام بن الغازي يروي عن مكحول أنه سأله عنه فنهاه وقال (إن النبي ﷺ نهى عن المثلة) قيل للشافعي: أفرأيت ما أدرك معهم من أموال المشركين من ذوات الأرواح؟ قال: لا تعقروا منه شيئا إلا أن تذبحوه لتأكلوا كما وصفت بدلالة السنة وأما ما فارق ذوات الأرواح فيصنعون فيما خافوا أن يستنقذ من أيديهم فيه ما شاءوا من تحريق وكسر وتغريق وغيره قلت: أو يدعون أولادهم ونساءهم ودوابهم؟ فقال: نعم إذا لم يقدروا على استنقاذهم منهم فقلت للشافعي: أفرأيت إن كان السبي والمتاع قسم؟ قال: كل رجل صار له من ذلك شيء فهو مسلط على ماله ويدع ذوات الأرواح إن لم يقو على سوقها وعلى منعها ويصنع في غير ذوات الأرواح ما شاء فقلت للشافعي: أفرأيت الإمام إذا أحرز ما يحمل من المتاع فحرقه في بلاد الشرك وهو يقاتل أو حرقه عند إدراك المشركين له وخوفه أن يستنقذوه قبل أن يقسم وبعدما قسم؟ فقال: كل ذلك في الحكم سواء إن أحرقه بإذن من معه حل له ولم يضمن لهم سواه ويعزل الخمس لأهله فإن سلم به دفعه إليهم خاصة وإن لم يسلم به لم يكن عليه شيء ومتى حرقه بغير إذنهم ضمنه لهم إن شاءوا وكذلك رجل من المسلمين إن حرقه يضمن ما حرق منه إن حرقه بعد أن يحوزه المسلمون فأما إذا أحرقه قبل أن يحرز فلا ضمان عليه. ===========================
كتاب الأم - كتاب الحكم في قتال المشركين ومسألة مال الحربي
المؤلف الشافعي
سير الواقدي ←
ملاحظات: السبي يقتل
[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: إذا أسر المشركون فصاروا في يد الإمام ففيهم حكمان، أما الرجال البالغون فللإمام إن شاء أن يقتلهم أو بعضهم أو يمن عليهم أو على بعضهم ولا ضمان عليه فيما صنع من ذلك أسرتهم العامة أو أحد أو نزلوا على حكمهم أو وال هو أسرهم.
[قال الشافعي]: ولا ينبغي له أن يقتلهم إلا على النظر للمسلمين من تقوية دين الله عز وجل وتوهين عدوه وغيظهم وقتلهم بكل حال مباح ولا ينبغي له أن يمن عليهم إلا بأن يكون يرى له سببا ممن من عليه يرجو إسلامه أو كفه المشركين أو تخذيلهم عن المسلمين أو ترهيبهم بأي وجه ما كان وإن فعل على غير هذا المعنى كرهت له ولا يضمن شيئا وكذلك له أن يفادي بهم المسلمين إذا كان له المن بلا مفاداة فالمفاداة أولى أن تكون له.
[قال الشافعي]: رحمه الله: ومن أرق منهم أو أخذ منه فدية فهو كالمال الذي غنمه المسلمون يقسم بينهم ويخمس.
[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: ودون البالغين من الرجال والنساء إذا أسروا بأي وجه ما كان الإسار فهم كالمتاع المغنوم ليس له ترك أحد منهم ولا قتله فإن فعل كان ضامنا لقيمته وكذلك غيره من الجند إن فعل كان ضامنا لقيمة ما استهلك منهم وأتلف.
========================
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق